محمد أبو زهرة

581

زهرة التفاسير

الثالثة : قوله تعالى : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ الآية . للعلماء في هذه الآية قولان : أحدهما - أنها منسوخة ، والثاني - أنها محكمة . قال مجاهد : الآية محكمة ، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل ، وبه قال طاوس . وهو الذي يقتضيه نص الآية ، وهو الصحيح من القولين ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه . وفي الصحيح عن ابن عباس قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة : « إنّ هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة اللّه تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة » « 1 » . وقال قتادة : الآية منسوخة بقوله تعالى : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . . . ( 5 ) [ التوبة ] . وقال مقاتل : نسخها قوله تعالى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ثم نسخ هذا قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . فيجوز الابتداء بالقتال في الحرم . ومما احتجوا به أن « براءة » نزلت بعد سورة « البقرة » بسنتين ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل مكة وعليه المغفر « 2 » . فقيل : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ؛ فقال : « اقتلوه » « 3 » .

--> ( 1 ) عن ابن عبّاس - رضى اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكّة : « لا هجرة ولكن جهاد ونيّة ، وإذا استنفرتم فانفروا » وقال يوم فتح مكّة : « إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السّماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ؛ لا يعضد شوكه ، ولا ينفّر صيده ، ولا يلتقط لقطته ، إلا من عرّفها ولا يختلى خلاه » فقال العبّاس : يا رسول اللّه إلا الإذخر فإنّه لقينهم ولبيوتهم . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إلا الإذخر » . [ متفق عليه ؛ رواه البخاري : كتاب الجزية - إثم الغادر البر والفاجر ( 2951 ) ، ومسلم : كتاب الحج - تحريم مكة ( 2412 ) ] . ( 2 ) المغفر ومثله المغفرة والغفارة ( كلها بالكسر ) : زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس ، يلبس تحت القلنسوة . ( 3 ) عن أنس بن مالك - رضى اللّه عنه - أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر ، فلمّا نزعه جاء رجل فقال : إنّ ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة . فقال : « اقتلوه » . [ متفق عليه ؛ رواه البخاري : كتاب الحج - دخول الحرم ومكة بغير إحرام ( 1715 ) وأطرافه في ثلاثة مواضع أخر ، ومسلم : كتاب الحج ( 2417 ) ] .